القرطبي

250

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

يحكى بالعبارة اللازمة ، وذلك أنهم يقولون : إن الابن إله والأب إله وروح القدس إله . وقد تقدم القول في هذا في ( النساء ) ( 1 ) فأكفرهم الله بقولهم هذا ، [ وقال ( 1 ) ] : ( وما من إله إلا إله واحد ) أي أن الاله لا يتعدد وهم يلزمهم القول بثلاثة آلهة كما تقدم ، وإن لم يصرحوا بذلك لفظا ، وقد مضى في ( البقرة ) ( 3 ) معنى الواحد . و ( من ) زائدة . ويجوز في غير القرآن ( إلها واحدا ) على الاستثناء . وأجاز الكسائي الخفض على البدل . قوله تعالى : ( وإن لم ينتهوا ) أي يكفوا عن القول بالتثليث ليمسنهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة . ( أفلا يتوبون ) تقرير وتوبيخ ، أي فليتوبوا إليه وليسألوه ستر ذنوبهم ، والمراد الكفرة منهم . وإنما خص الكفرة بالذكر لأنهم القائلون بذلك دون المؤمنين . قوله تعالى : ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون ( 75 ) قوله تعالى : ( ما المسيح بن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ) ابتداء وخبر ، أي ما المسيح وإن ظهرت الآيات على يديه فإنما جاء بها كما جاءت بها الرسل ، فإن كان إلها فليكن كل رسول إلها ، فهذا رد لقولهم واحتجاج عليهم ، ثم بالغ في الحجة فقال : " وأمه صديقة " ابتداء وخبر " كانا يأكلان الطعام " أي أنه مولود مربوب ، ومن ولدته النساء وكان يأكل الطعام مخلوق محدث كسائر المخلوقين ، ولم يدفع هذا أحد منهم ، فمتى يصلح المربوب لان يكون ربا ؟ ! وقولهم : كان يأكل ( 4 ) بناسوته لا بلاهوته فهذا منهم مصير إلى الاختلاط ، ولا يتصور اختلاط إله بغير إله ، ولو جاز اختلاط القديم بالمحدث لجاز أن يصير القديم محدثا ، ولو صح هذا في حق عيسى لصح في حق غيره حتى يقال : اللاهوت مخالط لكل محدث . وقال بعض المفسرين في قوله : " كانا يأكلان الطعام " إنه كناية عن الغائط والبول . وفى هذا دلالة

--> ( 1 ) راجع ص 23 وما بعدها من هذا الجزء . ( 2 ) من ج ، ك ، ع ، ه‍ . ( 3 ) راجع ج 2 ص 190 . ( 4 ) في ع : يأكل الطعام . الخ .